الجمعة، 18 فبراير 2011

حديث الجمعة : شجرة الليمون

حديث الجمعة
شجرة الليمون
لقد أصبحنا نبحر في الحياة بلا توقف نصارع فيها موج الأيام وتلاعبها بنا
يقذفنا إلى عوالم معتمة هي عوالم الكهوف والخوف واليأس
موج يجعلك تصاب بالاحباطات المستمرة بين الحين والآخر
وفي رحلة المجهول التي تقشعر لها الأبدان هذه
تصبح أحلامنا أملاً يضيع مرة ويتجسد لنا مرة أخرى
وتتلاحق الأمواج بضرباتها الموجعة ويضنينا الألم
وتتساقط منا خلالها أشياء كثيرة بلا ترتيب في درب الكفاح للوصول
وهناك في البعد تبقى الأشجار وجوداً على شواطئ العودة يتجدد على مر الأيام
عندما نشاهدها نشعر بنشوة فرح الوصول
وعندما نصل إليها فنحن نصل إلى شواطئ الآمان والهدوء التي ننشدها لنتنفس
و تخبرنا أننا بشر وأننا نخطئ مثلما نصيب وأننا بحاجة إلى الحماية
وبحاجة إلى من يستمع إلينا ويحفظ لنا ما نقوله ونفعله
هي رسالة ووسيلة إلي العطاء والتقويم
لذا هي من الأشياء التي تستحوذ على اهتمامي دوما
والتي مهما غابت الوجوه وتوارت تبقى هذه الأشجار صامدة
تحمل بصماتهم وسر حكاياتهم
تتمايل مع أحلامهم أملاً صغار وتسكن معهم ولهم أماناً كبار
هي عشق التاريخ وعشق المكان والزمان
وهي التي ثبت لنا ضرورة واقع وجودنا في الحياة
فعصرنا يضعنا كل يوم أمام حقائق جديدة مخيفة متغيرة
ولكن مع إطلالتها كل صباح ووجودها حولنا بمختلف أحجامها
تذكرني بحقيقة واحدة وهي الثبات و يعني ذلك لي القوة
وسمة من سمات الحب والصدق والوفاء التي هي اعز ما نفتقده اليوم
وعلى قلة الأشجار من حولي إلا أن الذاكرة حملتني
لكلمات خالي الذي كان يحرص كل الحرص
أن يزرع أبنائه وأحفاده الأشجار بأنفسهم ويتولون رعايتها وسقايتها والاهتمام بها
فقلت له يوما " لماذا تفعل ذلك بحرص معهم ؟ ولماذا لكل واحد فيهم شجرة مختلفة"
نظر إلى جموع تلك الأشجار من حولنا وأِشار بيده لشجرة الليمون الوارفة أمامنا
وقال لي " يا بنتي إنني ازرع بداخلهم الحب والوفاء والثبات على الأخلاق والعطاء
وأخبرهم بصمت بأن الحياة لن تعطي وتثمر إلا إذا رويتها وأعطيتها من وقتك "
مثلما نترك أجزاء من أروقة منازلنا للمكتبات والتلفاز
فلنخصص لهم مساحات بسيطة من عمر الزمن
في باحات منازلنا وفي شوارعنا أمام المنازل
وفي التصوير لذلك يقول الأستاذ الحُصين " الحياة بمفهومها المعنوي مهمة سريالية يعيش بها وعليها
الإنسان المثالي على شفافية العطاء النابع من القلب والفكر والروح "
لنزرع فيهم من خلالها الثبات على المبادئ والقيم
لنزرع فيهم الحب للحياة والجمال ولا نصحر أعينهم وقلوبهم
لنعيشهم تجربة الوفاء والإخلاص اليوم لندفعهم بذلك إلى النجاح فيه غداً
لنمنحهم البذور ونعلمهم الانتظار والشوق إلى النهايات و نعلمهم العطاء
وكيف يخصصون أوقاتهم للآخرين بالرعاية والاهتمام والسؤال
فليس هناك من يأخذ بلا عطاء । وليس هناك من يرتفع بلا جهد
لنزرع هذه الحكمة الصينية
"إذا أردتَ أن تزرع لسنة فازرع قمحاً ، وإذا أردت أن تزرع لعشر سنوات فأزرع شجرة ،
أما إذا أردت أن تزرع لمئة سنة فأزرع إنساناً "
فنحن لا نعرف كيف نحب إلا إذا عرفنا كيف نزرع الحب
إن الإنسانية والحب رمز يولد تحت الأرض ويبدأ في النمو
عند قدرتنا على الإحساس بالآخرين والتزامنا بهذه القدرة
عندها نشم رائحته النفاذة تفوح من حولنا
إنه الحب الذي يكلفنا عمرا بأكمله
ولكن
يا ترى كم شجرة وارفة الظلال طيبة الرائحة اليوم غرسناها في مساحات أعمارنا الطويلة ؟
كم شجرة صلبة لا تقتلعها ريح عاتية ولا تثيرها ريح عابرة في دروبنا ؟

المتنبي في سطور
كل امرئ يولي الجميل محبب ॥ وكل بيت ينبت العز طيب


بقلم ايمان عبدو 1432هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق