الأربعاء، 18 مايو 2011

حديث الجمعة : الاصرار على الحياة



حديث الجمعة
( الإصرار على الحياة )
من أشد المواقف تعذيبا للنفس هو الجلوس في
طابور انتظار الحياة ، وما اقصده هنا انتظارنا
في غرف أشعةMagnetic Resonance Imaging وترقب نتائجها
قد يكون اسمها مرعبا قليلا ولكني أسميتها
كذلك لأنني اعتبرتها لحظة ولادة حياة
من اللحظة التي انتصرا فيها (بيتر ما نسفيلد) في تقديم هذه التقنية للعالم
التي اسماها شريحة الحياةThe Slice of Life
ووصفها بأنها لحظة ولادة لها the birth of MRI
وحاز بذلك على جائزة نوبل نظير هذا التطوير فيها
والتي قال بعدها ( لم يتحقق هذا النجاح في التصوير النووي الإشعاعي بدون الحماس والإصرار والدعم المكرس لهذا العمل )
إنها لحظة انتصار الحياة على مشاهد الموت التي شاهدها
إبان اندلاع الحرب العالمية الثانية في طفولته
متى تصبح الحياة مطلباً ملحاً عند الإنسان ؟؟!
لماذا كل هذا الإصرار على الحياة ؟!!
الأسئلة التي تحضرني الآن وأنا أتذكر تلك المحادثة
التي جرت بيني وبين الطبيب المختص في غرفة التصوير الإشعاعي
حينما كنت مستعدة للبدء في عملية أخذ بعض المقاطع
عندها قال لي قبيل خروجه
هل تريدين الاستماع إلى بعض الموسيقى أم ما هو خيارك ؟!!
قلت له بدون تردد نعم موسيقى من فضلك
اندهش من خياري لها وابتسم
أذكر أنها كانت خليط من موسيقى موزارت وشوبان وأخذتني معها لما أخذتني
وبعد انتهاء كل تلك الساعات التي لم اشعر بها
توقفت الموسيقى وتوقفت معها كل تلك اللحظات المؤلمة
عاد إلي مرة أخرى ليحررني من كل تلك القيود التي تكبلني متسائلاً
ـ عذرا آنسة ولكنه كان خيارا غريبا لي هنا !! على عكس كل الناس الذين أشاهدهم
لماذا اخترت الموسيقى في هذا الوقت ؟!!
قاطعته قائله : لأنني لن أتوقف .. و لأنني أريد الحياة ؟
ـ تتوقفين !! ولماذا هذا الإصرار على الحياة ؟
نعم ، لن أستسلم للضعف لأن هناك عملاً كثيرا ينتظرني للمستقبل
وهناك من ينتظر هذا المستقبل ممن يحبونني
ولا تنسى أن استمرار الموسيقى كاستمرار الحياة وهي حياة
ـ اتفق معك بشأن الموسيقى ، ولكن هل تستحق هذه الأحلام كل هذا الإصرار على الحياة
ـ نعم وماذا تعتقد !! أليست لك أحلامك أنت أيضاً
أجابني بعد غمرت الابتسامة كامل وجهه
ـ نعم .. نعم ولا تعلمين كم أنا ممتن كثيرا لهذا الحديث معك
حسنا إذن هيا انهضي إيمان ، وسأخبرك بأمر لن تتوقفين
شكرته وشعرت بلذة الانتصار وخرجت مسرعة أقصد هاربة
وعدت الى المنزل وأغمضت عيني وأنا استمع إلى الخيار الثاني
وانهمرت دموعي بلا توقف فعلاً لم أكن أريده خيارا مؤقتا
فهو الخيار الوحيد الذي سيمنحني القوة في بقية لحظات انتظار نجاحاتي
فلكي تستمر الحياة لابد من الصراع من أجلها
انقضت فترة طويلة على هذه المحادثة وتذكرتها فور قراءتي
عن السيدة الأمريكية الكاتبة والفنانة سوزان
التي كانت تبلغ من العمر واحد وستون عام أصيبت بالسرطان
وعندما لم تتمكن من إكمال علاجها الكيميائي
وتوقف التأمين الصحي عن سداد قيمة فواتير علاجها
لم تتوقف لتوقف كل شيء أمامها كانت مصرة على الحياة بالرغم من مرارة الألم والانكسار
وبدأت باستخدام علاجاتها المتبقية من أقراص وحبوب وإدخالها
في صنع بعض القلادات والأقراط وبعض أدوات الزينة
قائلة لنفسها لقد ابتعتها بثمن باهظ جدا لما هو أثمن منها فكيف لا تكون قيمة
وتمكنت من بيعها لتغطية نفقات علاجها الكيميائي ونجحت في ذلك
وشفيت بعدها تماما من المرض
ما الذي يدفع سيدة بهذا العمر على رفضها للموت والاستسلام له ؟!
من أين نبع كل هذا الإصرار على الحياة بداخلها ؟؟
أنها الروح التي لم تشخ بعد والجسد الذي يرفض الاستسلام
إنه الفرق بين الحياة وأي حياة
ترى كم من الناس من يرى قيمة حياته
ويستطيع أن يواجه مصيره وضعفه بهذه الشجاعــة ؟!
صحيح أن جميعنا يصاب بالإحباط بين الحين والآخر عندما تخذلنا الحياة
في تحقيق ما نريده وتتخلى عنا
وجميعنا يبكي بصوت عالي عندما تغلق أبوابها في وجوهنا
لكنني مؤمنة بأن الأمل والإصرار على الحياة
هما طوق النجاة الوحيد أمامنا من الغرق في مآسيها
ولمواجهة وهزم الضعف والعجز والألم فيها
ولولا الآلام لما تولدت فينا طاقة الرغبة القوية في الحياة للنجاة منها
قد نموت وينتهي كل شيء يوما ما
لكن بصماتنا وأعمالنا المميزة لن تموت بموتنا
لابد أن نربي أبناءنا على الإصرار و الشجاعة وعدم الخوف
وأن يبحثوا بهمة عن نور الحياة في ظلماتها
أن لا يتوقفوا ويوقفوا عقارب الزمن في البكاء والعويل والخنوع لليأس
و كيف ينقبوا عن ينابيع هذا الاصرار المتمثل في قيمهم ومبادئهم وطموحهم
وأن يستمعوا إلى الموسيقى والأجدر كيف يكون العزف على أنغام هذه الحياة
ليس من أجلهم بل من أجل من يحبون من أجلكم ومن أجل مجتمعاتهم
ليس هناك أقسى من أن يحيا الإنسان وهو مرغم على العيش ،

ويشعر بداخله بعدم الحاجة إلى أن يعيش أكثر ، وبأنه غير قادر على الاستماع لموسيقاها الجميلة
ومازال السؤال الوحيد معلقاً أمامك وقرارك
لماذا كل هذا الإصرار في حياتك ؟!

بقلم خط من الضوء إيمان 1432

هناك 3 تعليقات:

  1. وانا اقرأ استمع الى اللحن يزحف ويتصاعد ويتمازج معه النور ليقر الحقيقة ثم يدعوا الى الاصرار والتحدي لفتح نافذة الرؤية .
    شافاك الله وعافاك ومن كل سوء ، وقدر لك الخير اينما كنت .
    وبارك الله لك في قلمك الذي يجمع اللحان الحياة والنور.
    انا استمتعت .

    ردحذف
  2. مبارك عليك التصميم الجديد .

    ردحذف
  3. اخي الكلداري قطعة قطر الجميلة بحضورها
    يقول زادشت الحياة بدون موسيقى غلطة
    انها لحن الحياة ياسيدي الالم ممزوج بالفرح
    يصعد ونصعد معه وينزل لننزل معه لنصعد مرة أخرى وهكذا
    النور لاينطفيء أبدا وان خفت لكنه يظهر وبقوة مرة اخرى لينير ويسطع على كل مايقع عليه
    امييين ياارب والله يبعد عننا وعنك شر الأمراض المخفية
    سعيده جدا بحضورك ومتابعتك
    ان كان هناك لحن كتابي فأنتم من يحرك هذه الموسيقى
    والغد الفاضل الذي ينتظره كل منا من أجل من نحب

    ردحذف