الخميس، 16 سبتمبر 2010

الحضرمي وسر التجارة


الحضرمي وسر التجارة


"رجل شاهد حضرمياً يأكل بذر التفاح من كيس صغير يحمله بيده
قال له : ماذا تأكل ؟!
أجابه بأنه بذر التفاح
قال له : أمعقول ذلك تآكل بذر تفاح ؟؟ هل هناك شخص عاقل يأكل بذر التفاح .
قال الحضرمي : بذر التفاح ملئ بالفوائد ومقوي ومنشط للذاكرة ويرفع مستوى الذكاء
رد الآخر: جيد ناولني بعضاً منها ؟ّ!
قال له الحضرمي : لا .. إذا أردت ذلك فسأبيعك عشر بذرات بخمسون ريال
فقال الرجل : يا ألهي ما هذا الغلاء ؟ .. ومع ذلك تفضل هذه الخمسون ريالاً وأعطني عشر بذرات منها .
أكل الرجل أول بذرة ولم يستسيغ أكلها ، فتناول الثانية وسكت لبرهة
ثم صرخ بوجه الحضرمي "كيف تفعل بي ذلك يا رجل ؟!"
كيف اشتري منك عشر بذرات بخمسون ريال ، كنت سأستطيع شراء كيلو من التفاح بعشرين ريالا وأتناول منهن ألف بذرة ..
قال له الحضرمي : أرأيت ! هذا من ثاني بذرة أصبحت ذكياً فكيف بك إن أكملت العشر بذرات .."
لا تكاد تخلو حياتنا من النكات .. وعندما كنا صغار كنا نضحك كثيرا حينما نتبادلها فقد كنا نعتقد أنها مادة للضحك والسخرية فقط ولا أخفيكم هناك مما لا يستدعيني فيها شيء للضحك ولكن البعض منها كثيراً ما كان يجعلني أقف وأسأل " ولكن ماذا يعني ذلك !! " ..
فهناك من النكات ما يعني الكثير وهي رسائل مشفرة كما أنها قصص وأفكار وتوجيهات ودعاية وصدى لهذه المجتمعات ، ولها مدلولاتها الخاصة بها التي من المهم أن نفكر فيها بدلاً من أن نتدر بها وحسب ، وهذه النكتة على سبيل المثال نموذج صادق وقالب طريف ، وهي نكتة واقعية تأملتها كثيرا عندما قيلت لي على سبيل المزاح مما دفعني لكتابة هذه السطور حيث أنها تعكس فكر وعقلية الرجل الحضرمي الذي اشتهر منذ القدم بوعيه وطموحه وعروقه التي يجري بداخلها حبه الشديد للتجارة والمغامرة في سبيل ذلك حيث طاف الأرض من أقصاها إلى أدناها سعيا وراء رزقه الذي أراد كسبه بالحلال وعرفوا بذلك قيمة المال وحرصوا عليه مما عرف عنهم أيضاً باقتصادهم الشديد وهذه فلسفة الكفاح وهو عمل العاطفة الواعية في استخدام المال بعد تدخل العقل المدرك وتنظيمه له بدون مبالغة وإسراف ..
وهذه من المسائل التي استحوذت على اهتمام الكثيرين : ما سر براعة وتميز الحضارمة في التجارة !! ، وكيفية إتقانهم لعمليات البيع والشراء ونجاحاتهم الملموسة في ذلك ؟؟!! ..
خصائص نجاح الحضارمة في وعي مدلولات هذه النكتة التي يتندر الجميع بها ، فالرجل الحضرمي نجاحه مرتبط تمام الارتباط بالمزايا أو الخصائص الأساسية التي يجب أن يتحلى بها كل رجل أعمال وهي تستند أول ما تستند على قوة الشجاعة وحبه للمخاطرة وسرعة البديهة "واغتنام الفرصة" حتى لو كانت هذه الفرصة على حساب ما بيده فإذا وجدت في الفرد تهيأت له مراكز القوة والاستقلال والنضج ، فالفرص في التجارة كما قال لي خالي يوما "السحاب الممطرة لا ينبغي علي أن ألهو تحت قطراتها بقدر ما أستفيد من هذه القطرات كذلك الفرص" ..
كما يتصف الحضرمي في تجارته بالفطنة والذكاء واللباقة في الحديث وسعة الأفق والرحابة في تحديد المعاني واستخدامها وتلك مهمته في رسم الصورة الصحيحة الواضحة لما في يديه و النابعة من شعوره بالصدق والأمانة في تصويره فهو إنسان ذو ضمير يقض وهذا ما يجب أن يتحلى به البائع وهو ما تجده في تصوير فوائد بذر التفاح للمشتري فالقليل منها كم عرف في الطب الصيني له فوائده مما أقنع الرجل فورا بالشراء والتي بها أقنعه بالعدول عن إرجاع البضاعة ولا يدهشنا بأن أساليب الإقناع والتحفيز مهمة جدا في عالم التجارة والمال وهي أهم العوامل التي لها تأثير في نجاح وفشل عمليات البيع والشراء مهما كان حجمها ..
يحاول اليوم الجميع أن يبذل قصارى جهده في تعلم فنون التجارة نحو تحقيق ازدهار اقتصاد مجتمعاتهم ورفاهيتهم حتى أصبحت كلمة التجارة والربح والأعمال هي الشغل الشاغل للجميع وهي الحرب المقدسة والتي صدقاً لن تقوم إلا على سواعد الأقوياء ولن يكون ذلك إلا بالهدوء والصبر وضبط إيقاع الخطوات بالاحتكاك بالقدماء وقراءة قصصهم والتمعن في تجارتهم وتقفي تجاربهم للاستفادة من أفكارهم وتطويرها وتنميتها بما يتناسب مع ظروفهم الاقتصادية الحالية..
هذه صورة أبناء الحضارمة الحقيقية في التعامل صورة متألقة منذ سنون طوال رسموا تاريخها بالمتاعب والارتحال والتحصيل شأنهم شأن بقية الأمة الراقية الذين لم يدخلوا التاريخ إلا بإرادة أبنائه الطامحين الموشحين بالعزم والصبر..

التجارة رسالة وصناعة مجتمعات وهي فن لا يحتاج لتلقين إنما يحتاج إلى حلم وإرادة لتحقيق الحلم ومهما كانت البدايات متعثرة فالخطوات واحدة ..
بقلم إيمان عبدو..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق